الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
22
تفسير روح البيان
والجواب ان زمان الموت آخر زمان من أزمنة الدنيا وأول زمان من أزمنة الآخرة فمن انتهى تكذيبه إلى هذا الوقت صدق انه كذب إلى أن ظهرت الساعة بغتة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ( من مات فقد قامت قيامته ) قالُوا جواب إذا يا حَسْرَتَنا الحسرة هي شدة الندم والتألم ونداؤها مجاز لان الحسرة لا يتأتى منها الإقبال وانما المعنى على المبالغة في شدة التحسر كأنهم نادوا الحسرة وقالوا إن كان لك وقت فهذا أوان حضورك ومثله يا ويلتنا والمقصود التنبيه على خطأ المنادى حيث ترك ما أحوجه تركه إلى نداء هذه الأشياء عَلى ما فَرَّطْنا فِيها اى على تفريطنا في شان الساعة وتقصيرنا في مراعاة حقها والاستعداد لها بالايمان بها واكتساب الأعمال الصالحة فعلى متعلق بالحسرة وما مصدرية والتفريط التقصير في الشيء مع القدرة على فعله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ حال من فاعل قالوا . والأوزار جمع وزر وهو في الأصل الحمل الثقيل يقال وزرته اى حملته ثقيلا ومنه وزير الملك لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه سمى به الإثم والذنب لغاية ثقله على صاحبه والحمل من توابع الأعيان الكشفية لا من عوارض المعاني فلا يوصف به العرض الا على سبيل التمثيل والتشبيه وذكر الظهور كذكر الأيدي في قوله تعالى فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فان المعتاد حمل الأثقال على الظهور كما أن المألوف هو الكسب بالأيدي . والمعنى انهم يتحسرون على ما لم يعملوا من الحسنات والحال انهم يحملون أوزار ما عملوا من السيئات أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ اى بئس شيأ يزرون اى يحملون وزرهم قال السدى وغيره ان المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شئ صورة وأطيبه ريحا فيقول هل تعرفني فيقول لا فيقول انا عملك الصالح فاركبنى فقد طالما ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً اى ركبانا . واما الكافر فيستقبله أقبح شئ صورة وأنتنه ريحا فيقول هل تعرفني فيقول لا فيقول انا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا وانا اليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى وَهُمْ يَحْمِلُونَ إلخ فيكون الحمل على حقيقته لان للأعمال صورا تظهر في الآخرة وان كان نفسها إعراضا واعلم أن الأوزار كثيرة لكن ذنب الوجود فوق الكل إذ هو الباعث على سائر الأوزار وهو ثقل مانع عن السلوك فعلى السالك ان يتوب عن الكل ويفنى في طريق الحق فناء كليا : قال الحافظ فكر خود ورأى خود در عالم رندى نيست * كفرست درين مذهب خود بيني وخود رأيي قال بعضهم لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وانما يمكن الخروج من النفس باللّه تعالى قال الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن علي الترمذي الحكيم قدس سره ذكر اللّه تعالى يرطب القلب ويلينه فإذا خلا عن الذكر أصابته حرارة النفس ونار الشهوات فقسا ويبس وامتنعت الأعضاء من الطاعة فإذا مددتها انكسرت كالشجرة إذا يبست لا تصلح الا للقطع وتصير وقودا للنار أعاذنا اللّه منها فالذكر والتوحيد والاتباع إلى أهله هو أصل الأصول - حكى - عن علي بن الموفق أنه قال حججت سنة من السنين في محمل فرأيت رجالا فأحببت المشي معهم فنزلت واركبت واحدا في المحمل ومشيت معهم فتقدمنا إلى البرية وعدلنا عن الطريق فنمنا